الخمالي العمراني الحسني

الخماملة لمن لا يعرفها هي قرية صغيرة توجد في شمال المغرب الاقصى تابعة للجماعة القروية ثلاثاء ريصانة في منطقة يطلق على قبائلها إسم الخلوط للإختلاط الذي كان بين عوائل وعشائر هذه القبائل خاصة بين العرب الوافدة من الجزيرة العربية (بنوهلال و بنو عقيل) و القبائل الأمازيغية من أهل الجبل التى تعربت, وفي تميزعن باقي القرى الأخرى التي أغلب مواطنها سهلي (الدهس) فإن قرية الخماملة تقع على ربوة أو خملة وهو الأصح لأنها ما بين الربوة و الجبل في العلو,حيث يترآى السهل كله منها و باقي القرى تحت أقدامها والوادي المتفرع من واد اللكوس المسمى واد المخازن الذي وقعت في جنوبه المعركة الشهيرة بمعركة الملوك الثلاثة حيث هزم الله الصلبيين بزعامة البرتغال على يد أبناء هذه البقعة الطاهرة فرد كيدهم عنها وشتت جمعهم.
ولقد حبى الله هذه القرية بالوصل الأزكى والعذق الأسنى والنسب الشريف الطاهر المطهر بأن نزل بجوارها الشريف الغطريف الفقيه العالم القاضي سيدي عبد الله بن سيدي عتيق بن يحيي بن عمران بن محمد بن محمد بن داوود بن موسى بن عمران حيث تجتمع فروع الشرفاء العمرانين الى مولانا إدريس الأزهر بن مولانا إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء البتول وبضعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
فصاهره بنو العياشي فصار منهم وصاروا منه فصعدوا من الدهس الى الخملة فتكنوا بها وبه

الخماملة

الأربعاء,تشرين الأول 08, 2008


 الدكتور أحمد الوارث

                                                                كلية الآداب ـ الجديدة

 

 

        استطاع السلطان مولاي إسماعيل، كما هو معروف، إعادة توحيد المغرب؛ كما نجح في بناء سلطان مطلق في البلاد. وقد جاءت الوحدة الترابية، على حساب دويلات الزوايا، التي اقتسمت النفوذ الأكبر في البلاد، في أعقاب انهيار دولة الشرفاء السعديين، كما جاء بناء السلطان المطلق على أنقاض نفوذ الزعامات المحلية والجهوية، ولا سيما منها أرباب الربط والزوايا. ومعروف كذلك أن الآلة العسكرية كانت هي الوسيلة الرئيسة في تحقيق هذه النجاحات، إلى حد لم يعد في المغرب أي مؤسسة قادرة على مجادلة المخزن الإسماعيلي، بما فيها مؤسسة الزوايا، التي كانت زمنئذ من القوى السياسية العظمى في البلاد، إن لم تكن أعظمها على الإطلاق([1]).

        وكان لسطوة المخزن الإسماعيلي آثارها البعيدة المدى أيضاً، حيث تجاوزت عهد مولاي إسماعيل إلى ما بعده. ويمكن اختزال تلك الآثار في الملاحظتين التاليتين:

        ـ  أما الملاحظة الأولى، فهي ظهور ما يشبه اقتناع أرباب الزوايا ومن ارتبط بهم، بعدم صلاحية الصلاح والصلحاء للحكم. وظهر اقتناعهم بذلك بوضوح في الأزمة التي اندلعت بعد وفاة المولى إسماعيل. وبيان ذلك أنه بالرغم من حدوث »... فوضى لم يعرف لها مثيل«([2])، في تاريخ المغرب، بعد وفاة مولاي إسماعيل، لم يبد أي رجل من أرباب الزوايا طمعه في السلطة، لا وطنياً ولا جهوياً، وارتبطوا جميعاً في نشاطهم السياسي بأمراء البيت العلوي نفسه، مما يفسر إشارتنا إلى سطوة الجيش النظامي الإسماعيلي، في حربه مع الزوايا، ويؤكد أن هذه السطوة ظلت قائمة إلى ما بعد وفاة مولاي إسماعيل.

        أما الملاحظة الثانية، فهي مترتبة على الأولى ومكملة لها، وتتمثل في الموقف الجديد الذي تبناه أقطاب التيار الصوفي في خضم ذلك النزاع بين الأمراء العلويين. وتكمن هذه الجدة في مساندتهم جميعاً للأمراء الذين اختاروا التخلي عن السياسة الإسماعيلية في إدارة شؤون البلاد، أعني أنهم كانوا في مواقفهم من أنصار تيار الإصلاح الذي تزعمه بعض أمراء البيت العلوي،  وبذلوا في سبيله الغالي والنفيس.

 

I  ـ  السلطان مولاي عبد الملك ينشد الإصلاح السياسي

        يفهم من كتب التاريخ التي اهتمت بالأزمة المذكورة أن المولى عبد الملك بن إسماعيل لقي تعاطفاً كبيراً من قطاع عريض من المغاربة، وفي مقدمتهم شيوخ التصوف وأرباب الزوايا، مقارنة مع أخيه ومنافسه على العرش، مولاي أحمد. كما يفهم من المصادر نفسها أن مرد ذلك التعاطف إلى الاختيارات السياسية التي تبناها مولاي عبد الملك، لما اعتلى العرش. ولعل أهم ما تميزت به هذه الاختيارات أنه خالف، في بعض وجوهها، تدابير والده مولاي إسماعيل في سياسته الداخلية. وقد ظهر ذلك جلياً في وجهين أساسيّين:

        ـ  أولهما تقليص رواتب الجند النظامي المكون من العبيد([3]). ولعل هذا هو
السبب الذي جعل أبا القاسم الزياني، ومن تبعه، يصفونه بالبخل والشح
([4])، على عكس أخيه أبي العباس أحمد الذهبي »... الذي أفضى به جوده إلى حد التبذير المذموم (...)، و(...) بلغ جيش عبيد البخاري، ومن في حكمهم (في عهده) منه الشره ما صير الاقتصاد المحمود في نظرهم شحاً وبخلاً«([5]).

        ولم يكن تقليص رواتب عبيد البخاري سوى مقدمة في سياسة مولاي عبد الملك الرامية إلى التخلي، في نهاية الأمر، عن خدماتهم. وفي هذا الصدد كتب الناصري أن مولاي عبد الملك »... كان قد عزم على تطهير الحضرة، وبساط الدولة، من افتيات العبيد وتحكمهم على أعياصها«([6]). وكتب ابن زيدان، من جهته، ما يفيد أن المولى عبد الملك أراد أن يجردهم مما اغتصبوه، بل وأن ينشئ جيشاً جديداً بدلاً منهم. وقد جاء هذا الكلام في أعقاب حديث ابن زيدان عن وصول وفد فاسي بالبيعة إلى مكناس، فقال:

 

             ثم إنه وصل شرفاء الوفد الذي أتى له بالبيعة بألف دينار ذهباً، كما وصل الطلبة والأعيان مثل ذلك، وأعطى الراتب للرماة، فنال كل فرد منهم سبعة مثاقيل ذهباً، ثم أصدر أوامره برد المظالم، وشدد في اجتناب المحرمات، فكبر ذلك على العبيد، وأبوا أن يردوا ما اغتصبوه للناس من عقار ومال. ولما رأى (مولاي عبد الملك) منهم ذلك صرح لهم بأنهم أحرار فليذهبوا حيث شاءوا، وأنه لا حاجة له بخدمتهم، وأعلن النداء في جميع البلاد التي دخلت تحت طاعته بأن من أراد الدخول في الجندية فليأت إليه، فوفد عليه سرعان الناس ([7]).

 

وهذا عكس ما قام به مولاي أحمد الذي ما إن بويع حتى زاد (العبيد) في الراتب خمسين ألفاَ([8]). وكان، كما يقول القادري: »مساعفاً لهم... وليس له من الملك إلا الاسم بلا مسمى، وهو تابع لأثرهم ورأيهم، لا يقطع أمراً إلا بما يأمرونه به... « ([9]).

        كما كان لمولاي عبد الملك موقف سلبي من جيش الأوداية أيضاً. ويظهر ذلك من خلال حديث القادري عن انتقال هذا السلطان إلى فاس بعد ثورة العبيد عليه في مكناس، حيث قال:

 

               ... لما دخل المحرم فاتح السنة (1141 هـ)، وكان السلطان مولانا عبد الملك بن مولانا إسماعيل الشريف الحسني دخل مدينة فاس بقصد أن ينصروه، ويقاتلوا من خرج عليه مع من يمكث على بيعته من القبائل، وطمع أن تجتمع عليه قبائل المغرب وسوس، فحاول أخذ المدينة البيضاء، (فاس الجدي المرينية)، ويستوطنها لأنها دار الخلافة، ويخرج منها الأوداية الخارجين عليه، لأنها ليست لهم، وإنما هم فيها إذاية فيها على أهل فاس الإدريسية، فقاتل الأوداية المتحصنين بها بعدما نهب ما هو عندهم خارج عنها من مواش ونحوها في عزائبهم، وأرسلوا صارختهم للعبيد، فجاؤوا مسرعين ومعهم السلطان مولانا أحمد الذهبي ([10]).

 

        أما الوجه الثاني من سياسة مولاي عبد الملك، فهو مكمل لموقفه السلبي من عسكر مولاي إسماعيل. وتجلى في تعاونه مع أعيان المؤسسات المدنية، وإشراكهم في تسيير الشأن العام، وفي مقدمتهم شيوخ الزوايا. وقد باشر في تنفيذ هذه الاستراتيجية مبكراً، وبدأها بمراسلة أولئك الأعيان. نقول هذا الكلام وحجتنا عليه نصوص الأجوبة التي تلقاها السلطان المولى عبد الملك منهم. ومنها، على سبيل المثال،  رسالتان جوابيتان بعث بهما اثنان من كبار أرباب الزوايا، زمنئذ: أولهما هو شيخ زاوية تمجروت، أبو عمران موسى بن محمد الكبير بن ناصر، الذي كان آخر من نكب في عهد المولى إسماعيل من أرباب الزوايا([11])؛ وثانيهما هو كبير رجالات التصوف في الصحراء الشرقية، الشيخ محمد بن أبي زيان القندوسي. وقد عبر الشيخ الناصري في جوابه عن الاحترام والتقدير الذي حظي به السلطان الجديد لدى الناصريين، ثم ضمّن الجواب مدحاً في جنابه، مما جاء فيه:

 

قم للهمام أمير المؤمنين أبي مروان
قم فابتدر للأمر وأنت طلعتها
أبشر لما كنت تأمل وتطلبه
لو أدركتك أئمة لنا سلفت
لكــنْ حفـيدُهــمُ يـقـضـي بحكـمـهــمُ

 

ذي المجد والأمجاد والظفر
فالكون صار خديماً سيق بالقدر
من الهنا والمنى في الورد والصدر
لتوجوك بتاج العز والوقر
فـالكل منهم وما يغـنـي عن الـقـدر
([12])

 

 

        أما الشيخ محمد بن أبي زيان القندوسي، فقد رأى في وصول المولى عبد الملك إلى العرش تصديقاً لنبوءته التي كان أشاع فيها بين الناس: »بأن مولانا عبد الملك يتولى الخلافة وراء أبيه... وأنه يدخل دار المملكة من غير قتال ولا نزاع...«([13]). ولاشـك في أن تلك النبوءة تعبير صادق عن أن هذا الأمير كان »... محباً للشيخ رضي الله عنه، والشيخ محباً له«، حسب تعبير أحد تلامذة الشيخ نفسه([14]).

        ومن ثم، لما تحققت هذه "الأمنية"، باعتلاء مولاي عبد الملك العرش، لم يتردد الشيخ ابن أبي زيان في إجابة دعوة محبه، وحثه لأتباعه على بيعته، ثم رأى أن يكون جوابه على رسالة السلطان الجديد من جنس النصائح. ومن أهم ما أوصاه به: السخاء والعدل، وقال: بعد الحمدلة و»... السلام، ... يا ابن همام عليك بالسخاء فإنه يرد الشدة رخاء والحل ربطاً والقبض بسطاً... جنود البخيل مكسورة ومياه ساقيته محصورة، الدنانير المنقوشة تفتح الأبواب المغلوقة... يا ابن همام! قد جعلت في جنودك سوادين يمنعون من يشتكي إليه... فإننا من أهل الدربلة والعكاز، ليس من أهل السراويل والمهماز. والسلام« ([15]). بل الظاهر أن الشيخ ابن أبي زيان كتب إلى مولاي عبد الملك أكثر من رسالة في هذا المضمار، مصداقاً لقول تلميذه اليعقوبي، صاحب كتاب ""فتح المنان": "

 

               وقد كنت زمن مجاورتي، الأيام السعيدة، لقراءة ""البخاري"، إذا أراد كتاباً يكتب لمولانا عبد الملك أحضرني، ويأمرني بالكتابة، وأكتب له ويقول لي: يا أخي اكتب لمولانا عبد الملك، واستوص به خيراً للمسلمين والدفاع عنهم، والرأفة عليهم، "واستوص بالعلماء، وأهل نسبة الله تعالى، والذود عن المسلمين، والتجاوز عنهم([16]).

 

        والحقيقة أن أكثر الناس كانوا على رأي الشيخ ابن أبي زيان وغيره من شيوخ الزوايا في تأييدهم لمولاي عبد الملك، بسبب ما عرفوه عنه من حسن السيرة، والسياسة، وكثرة عدله في الأحكام، وشدة تعصبه للدين وأهله([17]).

        ولا غرو في ذلك، فإلى جانب الرسائل التي بعث بها إلى شيوخ الزوايا، وزع مولاي عبد الملك ظهائر كثيرة على العائلات المرابطية، وشيوخ الزوايا في شتى نواحي البلاد، بالرغم من فترة حكمه القصيرة، وكأنه قد قام بحملة منظمة في هذا السياق. وقد نص في تلك الظهائر على تقدير واحترام »أهل الله«، وتوقيرهم، وأمر بالإنعام عليهم، رغبة منه، ولاشك، في تمتين صلاته بهذه الفئة من الأعيان([18]).

        بل الظاهر أنه كان حريصاً على استغلال الفرص الممكنة للتعبير عن موقفه الإيجابي من شيوخ التصوف وأرباب الزوايا، كما فعل في رسالة بعث بها إلى أبي عبد الله محمد المعطي بن الصالح، شيخ الزاوية الشرقاوية في أبي الجعد، يعزيه في وفاة والده، حيث اغتنمها فرصة، وأشار إلى ما يكنه للشيخ الهالك من تقدير، كقوله:

 

لـقـد كـان مصـبـاحــاً لأهـل زمـانــــه

 

وحامي دمار الدير من كل ما غمط([19])

 

        وعلى كل حال، فقد دشن مولاي عبد الملك مرحلة جديدة، تبنى فيها اختيارات تقضي بوضع الأسس الكبرى لدولة »الحق والعدالة« في البلاد. وبينما حارب العسكر النظامي، ومن ناصره، هذا التوجه في سياسة القصر، لقي مساندة مطلقة من لدن »أهل الفضل«، والشرفاء([20])، و»العسكر الأحرار«([21])، ومن نحا نحوهم جميعاً.

        وقد تجلى هذا التباين بين أنصار سياسة الماضي، وأنصار الإصلاح، بوضوح لما حاول العبيد خلع مولاي عبد الملك. فقد كان على رأس المدافعين عن هذا الأخير في مكناس »... من كان داخل ديوان العسكر من الأحرار الوافدين عليه«، بينما خانه بعض المقيمين داخل القصر، الأمر الذي عرضه وأنصاره للهزيمة، واضطر إلى مباركة مكناس في اتجاه فاس. وفي حضرة فاس هب سكان المدينة الإدريسية لاستقبال الأمير مولاي عبد الملك، لما هرع إليهم، بينما رفض الأوداية السماح له بالدخول إلى أحيائهم في فاس الجديد([22]). ولما حاصره العبيد بفاس الإدريسية، كان شيوخ الزوايا وأتباعهم في مقدمة المدافعين عنه، حتى لقد قتل بعضهم مع من قتل من شيعته، ونعني هنا بالخصوص مقدم طائفة امحمد بن أبي زيان القندوسي بفاس، الشيخ أبي الحسن علي القطبي([23])، ونعني كذلك كبار مجاذيب فاس وبهاليلها ([24]).

        ومن مشاهير أرباب الزوايا الذين نشطوا في الدفاع عن ملك مولاي عبد الملك الشيخ مولاي الطيب الوزاني، كبير دار الضمانة في وزان، منذ أن نمى إليه عزم العبيد على خلعه. ومما يذكر في هذا الصدد أن علماء فاس كتبوا في ذلك الشأن كتاباً للعبيد يعلمونهم بما في ذلك من المضرة بالمسلمين، وكلفوا مولاي الطيب الوزاني بإقناعهم لصلاته بهم »... وتلمذ أكثرهم له، وانتساب رؤسائهم بخدمته«، فلم يبينوا له جليـة الأمر. ثم أرسلـه الأمـير مولاي عبد الملك نفسه »... إليهم فكلمهم عن الرجوع... ووعدهم الخير إن أقلعوا ونهاهم عن الخروج عن السلطان... وخوفهم في ذلك من سخط الله، فما زادهم ذلك إلا نفوراً«([25]). وقد أكد الناصري تحركات مولاي الطيب الوزاني، في هذا الاتجاه، ثم ختم حديثه بقوله:

 

               ولما تحقق المولى أبو مروان (عبد الملك) بما عزم عليه العبيد من خلعه، بعث إليهم الشيخ البركة مولاي الطيب بن محمد الوزاني، واعظاً ومذكراً، فأتاهم ووعظهم ووعدهم الخير إن أقلعوا، ونهاهم عن الخروج على السلطان، واتباع سبيل السلطان، وخوفهم في ذلك من سخط الله، فما زادهم إلا نفوراً ([26]).

 

        والظاهر أن تحركات شيوخ الزاوية الوزانية لم تقف عند هذا الحد، وإنما تعدته إلى المشاركة في العمليات العسكرية دفاعاً عن شرعية حكم مولاي عبد الملك، الأمر الذي عرضهم وعرض أتباعهم وزاويتهم للنكبة.

        وبيان ذلك أنه في خضم حصار العبيد والأوداية لمولاي عبد الملك بفاس، ورد:

 

               خبر على العبيد باجتماع قبائل الغرب على دعوة مولاي عبد الملك ومحاربة العبيد، فجردوا لهم خيلاً سارت إليهم فالتقوا قرب وادي إيناون فاقتتلوا، فانهزمت قبائل الغرب (...) وشدد العبيد حيئنذ في التضييق والحصار على فاس، وكثرة رمي الكور عليها بالأنفاض (...) فتجلد أهل فاس (...) وضبطوا العسة والحراسة (...)، وأهل المسكنة لا يستطيعون دفعاً ولا منعاً سوى  توجههم لله تعالى في اللطف والنجاة. ثم إن قبائل الغرب أعادت الجمع... .

 

لكنه انهزمت ثانية أمام العبيد، وتفرقوا«([27]).

 

               (...) ولم يتبع العبيد إلا سفيان لكثرة حقدهم عليهم، حتى أدركوا حلتهم بالزيتون المطروح، فأوقعوا بهم وقعة عظيمة من القتل والسبي والوثوب على النساء والأبكار بالوطء والفضيحة، ولم يكفوا السلاح لا عن الأطفال ولا عن الكلاب. فلجؤوا لحرم وزان ظناً منهم أن يتركوهم حيث استحرموا به ويمتنعون، فلم يستحرموه ولم ينفعهم شيئاً، واستأصلوا بقيتهم، ونهبوا ديارهم وديار الشرفاء أهل الحرم، ولم يجيروا من استجار بالروضات وغيرها. وكانت هذه الوقعة بوزان على الناس من أعظم المصائب،

وذلك في 25 صفر 1141 هـ([28]).

 

        والمهم في الأمر أن العبيد والأوداية لم يكونوا راضين عن إصلاحات مولاي عبد الملك وأنصاره، فسارعوا إلى إجهاضها([29]). وقد وجدوا في مكناس من يؤازرهم من أنصار التيار المحافظ في إدارة وقصر السلطان مولاي إسماعيل([30])، كما وجدوا من يعاضدهم من أنصار التيار نفسه في فاس الجديد ودار الخلافة به([31])، مما يعني أن التيار المحافظ كان ما يزال مالكاً لزمام الأمور، حتى إن كثيراً من الناس كانوا يرون في مساندة تيار الإصلاح مغامرة خطيرة. ويظهر ذلك في اضطرار متطوعة سوس إلى الانسحاب من الصراع([32])، ثم اضطرار بعض علماء فاس وأهلها، بعد أن »انقطع من يقوم بدعوة مولانا عبد الملك« إلى التفاوض مع العبيد، أملاً في الحفاظ على حياة أميرهم مولاي عبد الملك<